محمد بن جرير الطبري
569
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال : كنت بين يدي الخائن وهو يتحدث ، إذ ورد عليه كتاب سليمان الشعراني بخبر الوقعة وما نزل به ، وانهزامه إلى المذار ، فما كان الا ان فض الكتاب ، فوقعت عينه على موضع الهزيمة حتى انحل وكاء بطنه ، ثم نهض لحاجته ، ثم عاد فلما استوى به مجلسه أخذ الكتاب وعاد يقرؤه ، فلما انتهى إلى الموضع الذي انهضه ، نهض حتى فعل ذلك مرارا قال : فلم أشك في عظم المصيبة ، وكرهت ان اساله ، فلما طال الأمر تجاسرت ، فقلت : ا ليس هذا كتاب سليمان بن موسى ؟ قال : نعم ، ورد بقاصمه الظهر ، ان الذين أناخوا عليه أوقعوا به وقعه لم تبق منه ولم تذر ، فكتب كتابه هذا وهو بالمذار ، ولم يسلم بشيء غير نفسه قال : فاكبرت ذلك ، والله يعلم مكروه ما اخفى من السرور الذي وصل إلى قلبي ، وامسك مبشرا بدنو الفرج وصبر الخائن على ما وصل اليه ، وجعل يظهر الجلد ، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني ، ويأمره بالتيقظ في امره وحفظ ما قبله . وذكر محمد بن الحسن ان محمد بن حماد قال : أقام الموفق بعسكره ببرمساور يومين ، لتعرف اخبار الشعراني وسليمان بن جامع والوقوف على مستقره ، فأتاه بعض من كان وجهه لذلك ، فأخبره انه معسكر بالقرية المعروفة بالحوانيت . فامر عند ذلك بتعبير الخيل إلى ارض كسكر في غربي دجلة ، وسار على الظهر ، وامر بالشذا وسفن الرجاله فحدرت إلى الكثيثه ، وخلف سواد عسكره وجمعا كثيرا من الرجال والكراع بفوهه برمساور ، وامر بغراج بالمقام هناك ، فوافى أبو احمد الصينية ، وامر أبا العباس بالمصير في الشذا والسميريات إلى الحوانيت مخفا لتعرف حقيقة خبر سليمان بن جامع في مقامه بها ، وان وجد منه غره أوقع به فسار أبو العباس في عشى ذلك اليوم إلى الحوانيت ، فلم يلف سليمان هنالك ، والفي من قواد السودان المشهورين بالباس والنجده شبلا وأبا النداء وهما من قدماء أصحاب الفاسق الذين كان استتبعهم في بدء مخرجه . وكان سليمان بن جامع خلف هذين القائدين في موضعهما لحفظ غلات كثيره كانت هناك ، فحاربهما أبو العباس ، وادخل الشذا موضعا ضيقا من النهر ، فقتل من رجالهما ، وجرح بالسهام خلقا كثيرا - وكانوا اجلد رجال سليمان بن